Ultimate magazine theme for WordPress.

الفتح الإسلامي لمصر

0

بقلم/ محمد توفيق

كاتب وباحث في التاريخ الاسلامي وكاتب في جريدة جروناليدة نيوز

توفي النبي صلي الله عليه وسلم في عام 11 هجريًا، وبعد عدة أعوام من وفاة الرسول اجتاح اتباعه من الصحابة الكرام شبة الجزيرة العربية وسورية وأرض الكلدانيين حتي وصلوا إلى أن افتتح الله عليهم بلاد كسري وقيصر، حتى وصل الأمر إلى فتح مصر علي يد الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه.

وقد أمره بذلك الخليفة الراشد أبا حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان ممتعضًا من طلب عمرو حينما فاتحه في أمر مصر عندما كان عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب عائدان بعد فتح بيت المقدس لأنه كان يأبي أن يذهب المسلمون إليه ويبتعدوا عنه ولا يستطيع أن يمدهم بالامدادات، لدرجة أنه بعدما ذهب عمرو بن العاص علي رأس الجيش لفتح مصر كتب إليه عمر بن الخطاب مكتوب وأرسله إياه والذي كان مضمونه أنه إذا كان خارج حدود مصر رجع إليه فورًا وانه اذا كان قد دخلها فأكمل مسيره اليها ويتوكل علي الله، ولكن داهية العرب عمرو بن العاص لم يكن قد دخل مصر بعد وقد آته المكتوب ففضل ان يدخل مصر اولا ثم يقتح المكتوب وبذالك ابطل عمرو غاية بن الخطاب في فتح مصر، اما عن عمرو فقد كان شغوفاً بفتح مصر لانه قد زار الاسكندرية في شبابه ورأي فيها من ثراء وغني لم يراه من قبل.

وكان جيش عمرو يتكون من ثلاثة آلاف ونصف أو أربعة آلاف ولكن سرعان ما تم تعزيز الجيش بفرقة مكونة من أربعة آلاف مسلحين بالسيوف والرماح والأقواس، ودخل عمرو مصر ولقى بها أول مقاومة من جيش الروم في الفرما التي استمر القتال فيها شهرًا ولكن بمساعدة المصريين أو الأقباط الذين كانوا لهم عداء كبير مع الروم بسبب الانشقاق بين الكنيسة اليعقوبية والكنيسة الملكانية الي جانب طوق المصريين إلى التحرر من حكم الرومان وبذالك تمت هزيمة الروم في تلك الموقعة.

وكان المصريين يتبعون المذهب اليعقوبي في الدين المسيحي وهو الذي يعاكس المذهب الملكاني في كنيسة القسطنطينية مما أدى إلى اضطهاد الأباطرة الذين على المذهب الملكاني للمصريين الذين كان أغلبهم على المذهب اليعقوبي فزاد العداء بين الشعب والأباطرة مما أدى التدخل الأجنبي والذي تم بالفعل علي يد الفرس في عام 616 ميلادية إلا أن الروم قد تصدوا لهم في عام 626 ميلادية ولما جاء المسلمون بعدها وسمع منهم المصريون مالوا إليهم وتركوا الروم وبذلك كان فتح مصر سهلاً ولينًا على العرب وعلى عمرو بن العاص ولكن هذه المساندة التي أتت للمسلمين بعد انتصار المسلمين في الفرما، أي بعد ما عرف المصريون أن المسلمون انتصروا في الفرما قرروا الانضمام إليهم وقد احتسبوا أن المسلمين سينتصرون ولذلك لقد دعموهم، أما إذا لم ينتصر المسلمون فلاقي المصريين بطشًا أكثر وأكثر من ذي قبل من قِبل الأباطرة المالكانيين.

ثم صمد الروم مرة أخري في بلبيس والتي كانت تبعد عن مصر ثلاثين ميلاً واستطاع عمرو بن العاص بأن يفتحها وذلك بعد أن حاصرها لمدة شهر، ثم لقي المسلمين الروم مرة أخرى في أُم دنين وهي قرية تقع شمال حصن بابليون وقُرب حي عابدين بالقاهرة الآن وافتتح على المسلمين الله تلك المنطقة، وقبل أن يتقدم عمرو بن العاص لإكمال المسيرة أرسل إلى عمر بن الخطاب طالباً منه المدد بالعتاد والجنود، ولقد تم له ذلك حيث وصل عدد جيش المسلمين إلى اثنى عشر ألف جندي، وقد أخذ عمرو من هذا الجيش جزءًا منه ووضعه في الضفة الغربية من النيل محاولاً أن يخترق الفيوم حيث كان يقاومه ثيودوسيوس وهو حاكم الفيوم إلي جانب يوحنا وهو القائد العسكري.

وقد كانت المدينة محمية بجيش كبير وقوي إلى جانب حصنها المنيع والقوي الذي ما زالت بقاياه باقية حتي الآن تحت اسم قصر الشمع، ولذلك قسم عمرو بن العاص قواته إلى ثلاثة فيالق ووضع أحداها في شمال حصن بابليون والآخر على ضاحية مُحصنة علي الضفة الغربية في جنوب غرب بابليون أما الفيلق الثالث فذهب إلى هليوبليس أو عين شمس حالياً، حتي إذا خرج الروم من حصونهم أطبق عليهم الفيلقان من المؤخرة، وبالفعل لقد غُر الروم من تقسيم المسلمون إلى فيالق قليلة فخرجوا لقتال أحدهم فأطبق عليهم الفيلقان من الخلف وتمت الهزيمة للروم وفروا هاربين إلى النيل فدخل المسلمون المدينة، وكانت هزيمة الروم في عين شمس هزيمة ساحقة لدرجة أن مصر التي كانت مدينة كبيرة تتمثل في الإسكندرية والمدن وما حولها لم تسقط في أيدي المسلمين وحدها، بل سقطت الفيوم بعدما هرب جيش الروم منها إلى مناطق مصر الوسطي فدخلها المسلمون هي وأسيوط والبهنسا دون قتال وتم لهم ذالك بمساعدة من أقباط مصر المعاديين للروم وحكمهم.

ثم انتهي الأمر بدخول أحد الكاثوليكين من مصر ويدعي بأبو مريم للانضمام إلى عمرو بن العاص فقابله عمرو بن العاص بطيب النية وحسن المعاملة والأخلاق التي قد تعلمها من نبي الله صلي الله عليه وسلم أثناء مصاحبته له وعرض عليه الاختيار بين اعتناق الإسلام أو بدفع الجزية، فما كان أن اختار أبا مريمٍ أن يدفع الجزية، لكن رفض هذا القائد الرومي وهو القائد الذي قُتل وهو يحاول أن يباغت المسلمين في الليل، ثم جاء في يوم الجمعة الموافق الثاني من مُحرم من عام 20 هجريًا أفتح الله على المسلمين حصن بابليون حيث اعتلي الزبير بن العوام سور الحصن وفتح بوابته وبعدها سعى المصريون بينهم لاقرار الصلح.

وعُدت المعاهدة طبقًا للتقليد الإسلامي : ( بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوبيين، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح فيدفعون على كل رأس ديناران، أما عن الخراج فهو من الأرض فكان يعدل في كل موسم حسب إنتاج وخصوبة الأرض، وعليهم ما جني لسطوتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتهم ممن أبى بريئة، وأن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بغير ذلك، ومن دخل في صلحهم مع الروم أو النوب فلهم مثل ما لهم وعليهم مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتي يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم اثلاثًا في كل ثُلثجِباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلي النوبة الذين استجابوا عليهم أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا وكذا فرسًا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة، شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر)،

وكانت تلك هي بنود المعاهدة التي أبرمها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص مع المقوقس الذي يعتبر حاكم مصر والذي نُدد به كخائن أكبر للمسيحية لأنه قد راسل قديمًا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأرسل له أمتين من بينهم ماريا القبطية التي سارت زوجة النبي وبغلاً أبيض اللون وقِدرٌ من عسل بنها وهدايا أخري، مع أنه كان أكبر معارض للمسلمين الفاتحيين، ولكنه بعد فتح مصر وبعد أن هرب هو ومن معه راجع الاتصالات بينه وبين عمرو بن العاص حتي يقوم بعمل معاهدة سلام، وبالفعل تم ذلك على شروط المعاهدة السابقة إلى جانب أن المعاهدة منحت الروم الموافقة أو الانسحاب إلى الإسكندرية، ولكن الروم استنكروا للمعاهدة ولكن ذهب المقوقس لعمرو ليخبره بألا يقطع المعاهدة مع المصريين أبداً وألا يُبرم أي عهود مع الروم لأنهم لا يستحقون إلا الهزيمة والاستعباد، وبعدها ظهرت قوة المصريين في تحريض المسلمين في قتال الروم إلى جانب أنهم ساعدوهم في النقل والامدادات.

وبعد فتح حصن بابليون استجمع عمرو جيشه ماعدا الحامية التي تركها على كل مدينة وضاحيها فتحها وأذهب البقية نواحي دمياط والاسكندرية ولم يروا جراء ذلك اي مقاومة للروم كبيرة وسار عمرو بعدها إلى الضفة الشرقية لينازل الوالي الروماني ثيودوروس والذي قد فر هو ومن معه إلى الإسكندرية ومضي عمرو يأخذ ويفتح المدن والبلاد الصغيرة حتي فتح كامل منطقة الدلتا والتي لا يجد بها أي مقاومة للروم لأنهم قد اجتمعوا كلهم في الإسكندرية حتي ذهب إلى دمياط فوجد فيها صداً عنيفاً إلى جانب القنوات وأذرع النيل التي كانت تعترضه فرجع مرة أخرى إلى المدينة التي افتتحها ثم مضى في طريقه مرة أخرى إلى الإسكندرية ليسلك الضفة الغربية هذة المرة ومضي عمرو بن العاص يقاتل ويفتح البلاد حتي وصل الجيش قرب الإسكندرية وجد أن الروم طواقاً للصلح والسلام لما جري له علي كل المعارك التي أحدثها بهم جيش المسلمين.

فأرسل حاكم الإسكندرية إلي عمرو بأنه يوافق أن يدفع الجزية بشرط أن يتم تسليم الأسرى الروم ولكن رده عمرو بحجة أنه لابد من أن يسأل الخليفة في المدينة، فأرسل إلى الخليفة وخلال تلك الفترة كان الفريقان في هدنةٍ من أمرهم حتي وصل خِطاب بن الخطاب الذي كان ينص أن الإسكندرية لابد من أن تدفع الجزية، أما عن الأسري من الروم فيخيرون بين الإسلام وبين إرسالهم إلى الإسكندرية، وكان ذلك الاختيار يخص الأسرى الذين في مصر لأن هناك أسرى تم إرسالهم إلى شبة الجزيرة،

أما عن الأسرى في مصر فأختار منهم الدخول في الإسلام، ثم عاد البقية وتم تحديد الجزية واستسلمت الإسكندرية ودخلها المسلمون بالتفاوض على أن أهل الإسكندرية سيدفعون كل شهرٍ الجزية للمسلمين إلى جانب أنهم سيقدمون ما لا يقل عن 150 من جنود الروم كرهائن لتنفيذ المعاهدة شريطة أن يتعهد المسلمون في شريعة النصاري وكنائسهم وأن يبقي المسلمون بعيدًا عنها لمدة 11 شهر حتي يستطيع الجيش البيزنطي الخروج منها شريطة إلا يرسل أي جيشٍ آخر لاستردادها، وأما عن اليهود يبقوا في الاسكندرية، وبالفعل تمت تلك المعاهدة بكل ما فيها من بنود وتم فتح مصر في 21 هجريًا.

قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق