Ultimate magazine theme for WordPress.

العمال في مصر القديمة

0

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  بقلم/محمد ابو حبشي

يكاد العمل البشري يكون مصدر القوة الوحيدة في مصر القديمة أي تلك الكمية الهائلة من العمل الذي يتطلب مهارة ابداعية كبيرة والذي كان يطلبه المجتمع من الفرد كاشق القنوات وإقامة السدود وتشييد المعابد وبناء الأهرامات كانت كل هذه الأعمال المذهلة تستلزم الوفاء من الأيدي العاملة من الرجال لرفع الأحمال الثقيلة وغير هؤلاء من العمال وقد كان هذه الأعمال تتم دون الخضوع لأمر السخرة ولكنها كتأدية خدمات وطنية وحضارية وهذا يعكس رأي المجادلون في أمر أن الأهرامات قد بنيت بالسخرة وانه قد كان هناك جلادًا يقف فوق رأس العمال ممسكًا سوطه ليعاقب من يريد أن يستريح عن العمل .

هذة الصورة الكاذبة لم تحدث في مصر اطلاقا وانما هي صورة ملفقة كاذبة لتشويه صورة مصر التاريخية .

كان الابن يرث مهنة أبيه في الغالب، وكان من الممكن لأي شاب يتحلى بموهبة أنا يحتل مكانا أرفع مما وصل إليه والده، وتشير نصوص تعود إلى عصر الأسرة 18 إلى تفاخر البعض بكفاحهم، وأنهم بدأوا السلم الوظيفي من بدايته “دون تأثير من أقارب” أو التفاخر بأنه “من أسرة بسيطة، ولم يكن من أصحاب الجاه في مدينته”.

وقد كانت الحكومة تلتزم بطعام ومستلزمات أولئك العمال طوال مدة قيامهم بالعمل كما يتضح من نص أورده “جان بيير ماري مونتيه” في دراسته عن “الحياة اليومية في مصر في عصر الرعامسة” للملك رعمسيس الثاني، الأسرة 19، نُقش على لوحة تذكارية أقامها الملك في معبد أيونو، مخاطبا عمال المحاجر:

(ملأت المخازن بجميع الفطائر واللحوم والكعك لتأكلوها، وأنواع العطور لتعطروا رؤوسكم بها كل عشرة أيام، وصنادل تنتعلوها كل يوم، وملابس تلبسونها طوال العام. عينت لكم رجالا يحضرون لكم الطيور والأسماك، وآخرين يحسبون كم هو مستحق لكم، أمرت بتشييد ورشة فخار تصنع لكم الآواني الفخارية ليظل ماؤكم صافيا في الصيف، ومن أجلكم أبحرت السفن دوما من الجنوب إلى الشمال ومن الشمال إلى الجنوب تحمل لكم الشعير والحبوب والقمح والملح والخبز).

ويؤكد أحد القضاة، من عصر الأسرة الخامسة، نفس المفهوم في نص آخر يشير إلى احترام حقوق طبقة العمال كما يلي:

(جميع من عملوا في هذه المقبرة نالوا أجرهم بالكامل من خبز وجعة وملابس وزيت وقمح بكميات كبيرة، كما أنني لم أُكره أحدا على العمل).

 

وكانت كل تلك القوة الدائمة من العمال أغلبهم من أهل كِمت كما ذكرت ولكن كان يضاف إليهم البعض من أسرى الحروب والمساجين المحكوم عليهم بأحكام لجرائم ارتكبوها.

وكانت المدارس في مصر القديمة، تحث الطلاب على العمل، والاجتهاد، وأن صور ونقوش المقابر والمعابد تصور الحاكم والفرعون، في صورة العامل الأول، حيث كان يقوم الملك بالحفر لشق القنوات المائية ، وحصد بشائر القمح، وتهيئة أرض المعبد قبل الشروع في بنائه، ووضع أول طوبة في أساس المعبد.

(اجتهد في كل وقت، افعل أكثر مما هو مطلوب منك، لا تضيع الوقت إذا كنت قادرا على العمل، مكروه كل من يسيء اغتنام وقته. لا تهدر فرصة تعزز ثروة بيتك، فالعمل يأتي بالثروة، والثروة لا تدوم إذا هجرت العمل)،تعاليم أدبية أعلت من شأن العمل وقيمته في الفكر المصري القديم.

وقد كان يخصص جزء الاقتصاد المصري من قديم الازل قائمًا على العمال . ولم تكن إلا العمالة المصرية فقط من الأسر البسيطة والفقيرة ولكن كان هناك أفراد من الأسر الغنية وتشتغل فردية أو في مجموعات في حوانيت صغيرة وفي مختلف الصناعات أما تابعة للحكومة أو للمعابد ومع ذلك كان يسمح للرجال الذين يعملون لصالح الحكومة أو المعبد استغلال جزء من وقتهم في أعمالهم الخاصة.

وتضمنت الطبقة الوسطي أيضا التي ظهرت في نهاية الدولة القديمة الصناع والموظفين وكان الموظفين شديدي الازدراء للصناع وكثيرًا ماتهكموا علي حياتهم الشاقة ، فذلك النساج يظل مقرفصا وركبتاه توخزان معدته باستمرار ،والفخاري «اقذر من الخنزير » لعمله في الطين والغسال «الذي يجاوره التمساح» وما الي ذلك ورغم ماتتضمنه هذة الاوصاف من معلومات ثقافية فإنها تشوه الحقيقة وتؤكد مساوئ الأعمال اليدوية وتنكر ميزاتها .

كما عرف عمال مصر القديمة، تنظيم الاحتجاجات والتظاهرات العمالية، قبل أن يعرفها العالم أجمع، وذلك كما جرى بقرية دير المدينة، في غرب مدينة الأقصر، سنة 1165 قبل الميلاد، حين أضرب العمال الذين يعملون في إقامة المقابر والمعابد عن العمل، وخرجوا في مظاهرات، أمام قصر كاتب الفرعون ووزيره، احتجاجا على بطء الإدارة في صرف أجورهم، وقالوا للملك رمسيس الثالث ” عرشك بدأ يهتز”.

وعلي صعيد آخر كانت المهن الرسمية وشبه الرسمية تكفل لمن يزاولها عيشة رغيدة نوعا ما .

وكشفت أعمال الحفر في ابيدوس عن لوحات جنائزية قدمها بعض النجارين وعمال المحاجر ”والاسكافيه“ (صُناع الاحذية) والغسالين وصانعي الجعة ومن إليهم وماكانو ليصنعو كل هذا اذا لم يكونوا في راحة وفي سِعة وحب مهنتهم .

وكانت هناك بعض المهن المريحة جدا كالصائغ والنحات كما يتضح في مقابر أصحابها الضخمة في طيبة ومنف وكان قادة نقاباتهما من كبار موظفي الدولة وكانت أول نقابة عمالية لها مطالب حقوقية في التاريخ بدأت من منطقة دير المدينة حين اجتمع العمال لتقديم مطالب ضدّ فساد بعض الموظفين فى عهد الملك (رمسيس الثالث)، وبالفعل قام الملك بتنفيذ كلّ مطالب العمال وإعطائهم كلّ حقوقهم والتحقيق في قضايا الفساد والسرقة ومعاقبة المذنبين، ولكن سواء كانت الأعمال مريحة أو شاقة فإن العامل المصري كان وما زال على مدى العصور هو اللبنة الأساسية للمجتمع.

قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق