Ultimate magazine theme for WordPress.

الشرطـــــة في مصر القديمة

0

  أيمن غريب جمعة – مدرس مساعد بقسم التاريخ والحضارة- كلية اللغة العربية بالزقازيق

اعتادت النفس البشرية على حب الخير وأحياناً الميل إلى الشر وارتكاب الجريمة, لذا كان العمل الأساسي للشرطة هو حفظ الأمن بهذا المفهوم, وجهاز الشرطة مرتبط بالجيش؛ لأن اختيار أغلب أفراده من رجال الجيش مثل “ددى” الذى كان جندياً بالجيش وعينه تحتمس الثالث رئيساً لشرطة غرب طيبة, ويفضل اختيارهم من بين رتبة حامل العلم من شرطة حرس الملك, إلى جانب تعاون مراكز الشرطة مع الجيش في تسهيل عمليات الالتحاق بالخدمة العسكرية.

وقد تابع الملك رعمسيس الثالث سياسة والده ست- نخت في فرض الأمن وإقرار النظام, ولم تشغله الغزوات الخارجية المتلاحقة عن الاهتمام بالأمن الداخلي, ومحاولة إنقاذ مصر من الفوضى الداخلية, فقد ورد ببردية هاريس وصفاً لجهوده في هذا السبيل فيقول: “جعلت المرأة تمشى بخطى واسعة إلى المكان الذى ترغب فيه إذ لا يُعاكسها غريب أو فرد على الطريق, وجعلت المشاة والخيالة يسكنون في وطنهم في زمنى, فكان جنود الشردان قد أُلقوا في مدنهم مضجعين على ظهورهم ولا يغامرهم خوف لأنه لم يكن هناك عدو من كوش, أو مناهضين من آسيا, وقد تركت أسلحتهم في مخازنها في حين أنهم راضين وسكارى في ابتهاج, وكانت زوجاتهم معهم وأولادهم بجانبهم, ولم ينظروا خلفهم خوفاً, وكانت قلوبهم واثقة لأنى كنت لهم بمثابة درع وحماية لأعضائهم, وقد حفظت كل أهالي البلاد أحياء سواءً أكانوا من الأجانب أم من عامة الشعب أم من المدنيين ذكوراً وإناثاً, وخلصت الرجل من مصيبته ومنحته الحياة”.

يتضح مما سبق أن الأحوال الداخلية أصبحت مستقرة, وفُتحت البلاد أبوابها للأجانب, واندرجوا في العمل الشرطي.

ويتمثل جهاز الشرطة في:

أ – الشرطة المحلية:
كانت تقوم بحفظ الأمن والنظام في المدن الكبرى مثل: منف وطيبة وقفط وتل العمارنة وپر- رعمسيس, وفى المناطق الصحراوية, إلى جانب القيام بدوريات منظمة للمرور على الطرق وتفتيشها وتعقب المجرمين.

ب – شرطة الحرس الملكي:
وقع على عاتق الوزير تكوين حرس الملك حفاظاً على سلامته وضماناً لولاء الشعب له, وكان الحرس الملكي يضم فرقاً تقوم بالحراسة الخاصة للفرعون, وكانت هذه الفرق مجهزة للتأهب في أي وقت, ولم يكن يدخل في تعدادها فرق الجند المرتزقة الذين كان يؤتى بهم من الخارج.

ج – شرطة المعابد:
تألفت وحدات شرطة المعابد من أعضاء من مختلف الطوائف الذين كلفوا بالحفاظ على حرمة المعابد, حيث شارك رجال الشرطة الكهنة, ويتبع هؤلاء رئيس الكهنة.

د – الشرطة النهرية:
لعب النيل دورٌ كبيرٌ في حياة المصريين الأقدمين, وعرفوا قدره ومكانته لذا قدسوه وعبدوه وأطلقوا عليه Hapy- wr بمعنى “النيل العظيم”, خاصة أنه سبب وجودهم حيث قوام الحياة سواء للشرب أم الزراعة أم النقل, لذا تطلب الأمر عناية الحكومة بتكليف أفراد لحماية هذا الشريان.

هـ – شرطة حراسة الصحراء والمقابر:
كانت لوحدات الشرطة أهمية خاصة لحفظ السلام والأمن الداخلي لحكام مصر, وكانت أقدم وحدات الشرطة الوحدات المتمركزة في الحصون المختلفة أو الحاميات على الحدود الشمالية الشرقية والغربية والجنوبية لمصر, كما شكل بعض أفراد القبائل البدوية في سيناء جزءً من حرس الحدود في بعض الفترات التاريخية , وقد نالت الصحراء اهتماماً بحراستها لكبح جماح البدو وتأديبهم ومنعهم من التسلل إلى الوادي وإلزامهم الطاعة والنظام وتعقب الفارين إلى الواحات وحماية عمال المناجم والمحاجر من غارات البدو, وتأمين الطرق المؤدية إلى مناجم الذهب, والقوافل والبعثات التجارية الواردة مع التجار الأجانب لمزاولة تجارتهم في الأسواق المصرية, وكان رئيس شرطة الصحراء تحت إشراف الوزير, وكان لرئيس شرطة قفط مكانة مهمة, لوقوعها في طريق جلب الذهب من وادى الحمامات, وكان يعمل باتصال وثيق مع مدير مناجم الذهب هناك.

ارتبطت قوات MDyw “المچايو” / MDAyw “المدچاو”/ MDw “المچاو” بقوات الشرطة المنوط بهم حفظ الأمن والنظام على الحدود وفى الصحراء, وهذا الاسم مشتق من اسم النوبة / MDAw “مچاو”/ MDA “مدچا”, وكان للجند المرتزقة دورٌ هامٌ منذ بداية الأسرة الثامنة عشرة بعد انخراطهم في صفوف الجيش المصري ومشاركتهم في طرد الهكسوس, وأصبحت كلمة MDA تطلق على نوع معين من القبائل النوبية الصحراوية غالباً قبيلة (البچا/ البدچا) الذين عملوا ككشافة تجوب الصحراء, كما قاموا ببعض العمليات الخفيفة في الجيش المصري, وبمرور الوقت أصبحت تطلق على رجال الشرطة وإن لم يكونوا نوبيين أو من هذه القبيلة, بل أصبح معظم أسماء رؤساء شرطة المدچاى في عصر الرعامسة أسماء مصرية مثل سر- منتو, ومنتو- مس, واتخذوا مقرهم على البر الغربي للنيل, حيث كانت مهمتهم حفظ الأمن ومنع أي اعتداء على المقابر الملكية, ويخضعون مباشرة لسلطة عمدة غرب طيبة, ويحتمل وجود رئيسين لفرقة شرطة دير المدينة , وكان مكتب رئيسهم في معابد طيبة الرئيسية على غرب طيبة, لا سيما الرامسيوم, وقد سُجل عدد مدچاى غرب طيبة في قائمة العمل المؤرخة بالعام الأول من عهد رعمسيس الرابع عندما كانت تقوم جماعة العمال بتعبئة كاملة لأفراد طاقمها الذى وصل إلى مائة وعشرين عاملاً, وبجانبهم عدد من المدچاى وصل إلى ستين رجلاً, وتزايد عددهم في عهد رعمسيس التاسع بحيث أصبح لكل ثمانية أفراد ثلاثة رؤساء, وهذا الوضع يفسر تزايد سرقة المقابر, لا سيما تزايد تسلل الليبيين الذى أقلق العمال وشكل خطراً على تأمين المقابر الملكية, مما استلزم تشديد الحراسة وتكثيف جهود الشرطة.

وكان لرئيس شرطة غرب طيبة مكانة خاصة لما تشتمل عليه من مقابر, ولوجود العمال الذين يقومون بتشييد المقابر, وامتد دور أفراد الشرطة إلى تأمين طريق البعثات من البدو, أما عن أشهر هذه البعثات تلك التي خرجت إلى وادى الحمامات في عهد رعمسيس الرابع لقطع حجر البازلت, وبعثة رعمسيس نخت الذى رافقه فيها رجال الشرطة, وكانت كل فصيلة تتألف من خمسين رجلاً, والكتيبة تتألف من مائتين وخمسين رجلاً.

وقد كان لشرطة المدچاى دوران: الأول عسكري بالمشاركة في الحروب, والثاني سلمى بتأمين أفراد البعثات, واتخاذ نقطة حراسة عند مدخل قرية دير المدينة لتأمين موقع المقابر, وتعقب المجرمين واللصوص وتقديمهم للمحاكم, ومراقبة عمال المقابر وفض أي شجار ونزاع يقع بينهم, وحراسة مخازن الأثاث والأدوات بالمقابر, والقيام بنقل الأثاث الجنائزي الملكي.

أما رئيس شرطة المدچاى فكان له دورٌ هامٌ في الحفاظ على الأمن والدليل على ذلك عندما قام العمال بالإضراب في أواخر عهد رعمسيس الثالث لتأخر صرف مستحقاتهم الشهرية من الحصص الغذائية تجمعوا عند مركز الشرطة, فلم يجد رئيس الشرطة نب- سمن- بن- يناحس سوى التسليم بمطالبهم وطلب منهم عدم الإخلال بالنظام ووعدهم بأن يعمل جاهداً على تنفيذ مطالبهم, وقام بدور الوسيط بين الوزير تا وبين العمال وأرسل إلى ثلاثة من رؤساء العمال كانوا واقفين أمام حصن غرب طيبة ليخبرهم بما قاله الوزير , فقال: “إن كان ينقصكم شيء فلن أتوانى في المجيء إليكم وإحضاره لكم, أما عن قولكم لا تأخذ منا مخصصاتنا, فهل أنا الوزير عُينت لأسرق ألم أعطكم أكثر مما كان يعطيه الوزراء الذين كانوا قبلي فإنني الوزير الذى عينت لأعطى ولا أنهب فإذا كانت شونة الغلال ذاتها فارغة فإنني سأُرسل إليكم ما استطيع أن أدبره”.

وتدل تقارير سرقات المقابر في الأسرة العشرين على وجود سجلات للجرائم والمجرمين, وتنقسم طبقاً لأنواع الجرائم, من إعدام وجدع الأنف والجلد والحبس وكان رجال الشرطة يستعينون بها لمعرفة الجناة في الجرائم المجهولة, مما يشير إلى أنهم عرفوا الأسس الرئيسية للبحث الجنائي.

ونتيجة لفترات الضعف والانحلال منذ عهد رعمسيس التاسع وانتشار سرقات المقابر للحصول على الذهب, الأمر الذى أصبح الشغل الشاغل لكهنة طيبة في الأسرة الحادية والعشرين في الحفاظ على الأمن الداخلي من خلال إعادة دفن الملوك, ونقل المومياوات إلى مقبرة الملك سيتي الأول وأمنحتب الثاني, إلى أن تم اكتشافه عام 1871م.

يتضح مما سبق أن من مهام قادة شرطة المقبرة الملكية إحضار الرسائل المكتوبة والشفهية من المسئولين إلى العمال والقيام بقراءتها وتبليغ العمال بالأخبار المهمة مثل قدوم عدو, أو وفاة ملك, ومن ثم كانوا حلقة اتصال بين العمال وبين أفراد السلطة العليا.

قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق