Ultimate magazine theme for WordPress.

أبو سليم عبود يكتب ..”الغريبة”

0

 بقلم: أبوسليم عبود

استيقظت(ضحى) على جرس هاتفها الذي ظل يدق كثيرًا دون أن تسمعه لأنها كانت متعبه وتشعر بكثير من التعب بعد يوم شاق حمل الكثير من الألم والمعاناه فقد كانت ليلتها هذه من أصعب الليالي عليها وأكثرها قسوه على نفسها فهي الليلة التي تسبق زيارتها إلى المقابر لزيارة والدتها كان على الطرف الآخر جارتهم أم رافت صديقة والدتها الوفية والمخلصة والتي لم تتأخر يومًا عن اصطحاب (ضحى) في زيارتها لوالدتها وقرأت القرآن الكريم وتوزيع بعض الصدقات على روحها الطاهره، أسرعت ضحي وارتدت ملابسها ونزلت مسرعة استقلت السيارة هي وأم رافت بعد أن ألقت عليها تحية الصباح الباكر وتكسو وجهها ملامح حزينة لاتخطاها إلاعين لعدم وجود أحد من اخوتها معها في تلك الزيارة وكيف أن أحدًا منهم لم يتذكر يومًا زيارة والدته أو يصحبها في تلك الزياره انطلقت السيارة مسرعة في اتجاه المقابر.

لم تتحدث ضحي مع أم رافت في أي شيء ظلت صامته.. تتذكر كيف انها ضحت بعمرها وفرحتها وشبابها من أجل أن تكون مع والدتها وتقوم على رعايتها بعد أن تنصل باقي اخوتها من تحمل تلك المسؤولية إلا هي تذكرت أيضًا كيف ضحت بحب عمرها من أجل والدتها ومن أجل ألا تتركها وحيدة في مرضها تذكرت تلك الدعوات التي كانت تسمعها دائمًا من والدتها وهي تدعو لها ان يعوضها خيراً وهي التي كانت تحثها ألا تترك نفسها دون زواج ولا أولاد فالأيام ستكون قاسية وأخوتها لن يلتفتوا إليها لأنهم دائمًا مشغولون بحياتهم وأولادهم مر شريط ذكرياتها سريعًا أمامها وتذكرت
حسام حبيب قلبها وعمرها والذي تنازلت عن حلم الارتباط به دون إرادتها وكيف أنه كان مصدر سعادتها وأنه حاول كثيرًا الإرتباط بها ولكنها كانت ترفض من أجل والدتها.

تذكرت كيف كان أخواتها يضعون العراقيل أمامه وأمامها حتى لا يتم هذا الزواج من أجل أن تظل ضحى مع والدتها وتقوم على رعايتهم حتى لاتكون سبب في ازعاجهم ظلت ضحى تنظر من نافذة السيارة تشاهد الشوارع والكباري والسيارات المسرعة والتي تشبه في سرعتها سرعة مرور العمر الذي مضي دون فائده فلا زوج ولا أولاد ولا أخوه يسألون عنها إلا على فترات متباعدة وتكون أحيانًا كثيرة بالمصادفة وأثناء قطع السيارة لأحد الشوارع وقعت عينها على أحد الكافيهات ولفت نظرها التجديدات التي تتم فيه وتذكرت كيف كان (حسام) يدعوها إلي الجلوس به وأن هذا المكان يحمل لها ذكريات لا تمحي من الذاكرة بمرور الزمن

كانت جميله تلك الايام الذي جمعتهم سويا على إحدى طاولات المكان ليقص كلًا منهم شكواه ونجواه إلى الآخر فحسام زميل الدراسة بالجامعة والذي كان يسكن قلب ضحي ويتربع فيه كان شاباً رقيقا وسيما يتمتع بكثير من الحيوية وحب واحترام كثير ممن هم حوله، كان حسام يعشق ضحى بجنون كان على استعداد لعمل أي شيء لينال رضى ضحى وقلبها سعي كثيرًا للارتباط بها حاول مرارًا وتكرارًا، ولكن وكان الدنيا والأيام والقدر كان لهم شأن آخر.

واجتمعوا جميعاً وأصدروا قرارهم بألا يتم هذا الارتباط تذكرت ذلك اليوم الذي تقابل فيه في نفس المكان ليحتفل سويًا بعيد ميلادها الذي كان حسام دائمًا يحرص على الإحتفال به معها ففي هذا اليوم كان حسام أكثر مرحًا أكثر فرحًا أتى لها بهديتها وكانت هدية جميلة اسعدتها كثيرًا، تذكرت ضحى كيف قضوا يومهما سويًا وهم في قمة السعادة والنشوة ظل يتحدثان كثيرًا عن مستقبلهما وحياتهم وأولادهم في المستقبل كيف كان يتنافسان في اختيار أسماؤهم واختلافهم على بعض الأسماء التي تم طرحها، تذكرت ضحي تلك الهدية بالذات وكانت عبارة عن سلسلة ذهبية خفيفة الوزن معلق بها أول حرفين من أسماؤهم والتي مازالت تحتفظ بها إلى الآن وأنها كانت أخر هدايا حسام لها قبل أن تنتهي من دراستها الجامعية وقبل أن تبدأ حياتها العملية تحل بها كارثة مرض والدتها و لتجبرها على التضحية بكل شيء عملها وحبيبها ومستقبلها وحلمها في أن ترتبط بحسام لتقوم على رعاية والدتها
لم تستفق ضحى من شرودها إلا على صوت السائق وهو يقول لهم حمد لله على السلامة وصلنا تعيشوا وتفتكروا.

نزلت ضحى من السيارة وأسرعت لتقوم بالإمساك بيد أم رأفت لتساعدها على النزول من السيارة للدخول إلى المقابر، ولكن هذه المرة أحست بتثاقل خطواتها كان لديها شعور كبير أن هناك أشياء كثيرة تتمنى لو أرتمت في حضن والدتها لتحكي لها ما إليه حالها ولتخبرها وكأنها كانت تقرأ لها طالعها، دخلت ضحي إلى قبر والدتها وانفجرت في البكاء الذي لايخلو من الدعاء لوالدتها بالرحمة والمغفرة.

ظلت تشكو إليها حالها وكيف أنها أصبحت وحيدة لا يسأل عليها أحد سوى جارتهم أم رأفت شكت لها أن أصبحت بالفعل لا حبيب ولا زوج ولا أولاد تحدث إليها بصوت مرتفع وكأنها تصورت بل كانت متأكده أنها تسمعها أخبرتها أن حبيبها تزوج وأنجب أطفال يملؤون عليه حياته أخبرتها أن الدنيا أدارت لها ظهرها وبكل قوة أخبرتها أن عمرها وأيامها وأحلامها مروا من بين يديها سريعًا، أصبحت وحيدة عاتبت والدتها على تركها لها وحيدة سألتها لماذا لم تأخذها معها كيف هانت عليها بعد كل ذلك كيف تركتها وحيده وسط كل تلك الهموم التي أحنت ظهرها واعتصرت قلبها، انسابت الدموع على وجه ضحى لتجد طريقها إلى تلك الخطوط الذي حفرها الزمان علي ذلك الوجه الذي كان مضرب المثل في نضارته وبشاشته وابتسامته وحيوته.

مدت أم رأفت يدها لتحتضنها وتربت علي كتفها وتمسح دموعها ولكنها أحست أم رأفت بقوة حالة الإرتجاف التي كان عليها جسد ضحى نعم كانت ترتجف وبشده علي. صوت نحيبها وبكاءها لم تكن تدري أهي تبكي على فراق والدتها أم انها تنتحب علي حالها وما ألت إليه أم على شعورها بالوحدة
والتجاهل حاولت أم رأفت التخفيف عنها ظلت تخبرها أنها كوالدتها عرضت عليها أن تقيم معها، ولكن ام رأفت لم تكن تدري أنها تقوم وبشدة بالضغط على جروحها ارتمت ضحي علي صدر ام رأفت محتضنه إياها بشدة وكأنها تلقي بكل همومها وماتشعربه من وحده وحرمان وألم بين يديها وكأنها تحتضن والدتها مسحت ام رأفت دموع ضحي طمأنتها حاولت كثيراً لتخفف عنها تلك المشاعر الحزينة وحينها افاقا الاثنان علي صوت السائق وهو يخبرهم بان الوقت قد حان للعودة احست ضحى بالخوف والرعب فهي تخشي تلك اللحظات التي تذكرها بالعودة إلى المنزل بالعودة إلى وحدتها بالعودة إلى أصعب شعور تعيش به شعورها بعد وفاة والدتها.

الغربة
دمتم سالمين..
اللهم إن كنت قد وفقت فهذا منك
وإن كنت قد أخطأت فهذا مني
واغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت

قد يعجبك ايضا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق